الرئيسية > مجتمع > ازدواج المعايير

ازدواج المعايير

ازدواج المعايير

“ازدواج المعايير”… وحتى فترة قريبة، كان أول ما يتبادر إلى الأذهان عند ذكر هذا المصطلح الشائع هو السياسة الأمريكية والغربية عموماً، وخصوصاً ما يتعلق منها بقضايانا العربية.
لكن لندقق قليلاً في الأمر على ضوء الأحداث الجارية مؤخراً في عالمنا العربي (الإسلامي رغماً عنا).

امرأة متزوجة ومتحجبة (عن قناعة، على أساس) تطالب زوجها بالحرية والمساواة.؟
ناهيكم عن الذكر بأنها لم ولن تخدم ما يسمى (عسكرية) أي الخدمة الإجبارية، ولن تقتسم معه أموالها في حال الطلاق. ومن المؤكد بأنها أخذت ما يسمى مهراً عند الزواج، وستحصل لاحقاً على المؤخر في حال طلاقها. وبوجود منظمات المجتمع المدني السارحة في طول البلاد وعرضها فإن مجرد الكف (لا الضرب) قد يزج بزوجها في السجن.
وهذا أمر طبيعي، (رجاءً ضعوا كلمة طبيعي بين هلالين)، (طبيعي) في مجتمعنا.

شيخ جامع ينادي بالجهاد على اليهود (الكفرة) الذين يحتلون أرض فلسطين، كما أنه يبجل ابن لادن (المجاهد) في أفغانستان، ويعتبر حركة القاعدة حركة جهادية تعلي كلمة الحق والمقاومة ضد الطغيان الامبريالي. ويعتبر جميع الحكام العرب دون استثناء أعداء الله والوطن ومنافقين شريرين وصوليين.
بالإضافة لذلك فهو يعتبر الحجاب غير كافي، بل لابد من النقاب لإزالة كل ما من شأنه إثارة الشهوة. ويرفض أي مساواة بين الرجل والمرأة، لإن النساء فاضلات بقدر خدمتهم للرجال، لا بقدر مساواتهم بهم.
ومن المؤسف جداً أن مثل هؤلاء الشيوخ بدؤوا يتكاثرون لدينا، وأن وجود أمثالهم طبيعي في مجتمع مماثل لمجتمعنا. (ورجائي الآن عدم وضع هلالين حول كلمة طبيعي، لأن مجتمعنا مؤهل بتركيبته البشرية والفكرية لتفريخ أمثال هؤلاء). وإن عدم وجود أمثال هؤلاء المشايخ مرهون بالقوة (المفرطة جداً) لجهازي الشرطة والأمن فقط.

يمكنني أن أجلب من الأمثلة المزيد، لكن الأمر ليس بكثرة الأمثلة، لأننا أساساً لا نتكلم عن حالات شاذة تظهر هنا وهناك، بل نتكلم عن جزء كبير من مجتمعنا المحيط بنا.
أي أننا نتكلم عن القاعدة التي تسير عليها مجتمعاتنا العربية، ألا وهي كما يدعون (الإسلام).

لنقارن، ونتمعن بين المرأة المطالبة بالمساواة، وبين الشيخ الموسوم (بالمتشدد)…..
إن كان هنالك من ازدواج في المعايير، فالازدواج من نصيب المرأة حكماً. فالشيخ ليس متشدداً أبداً وفقاً للسمات العامة (المعلنة) في المجتمع العربي. وظهوره متأتي عن قصور في تحديث تقاليد وقيم المجتمع الشرقي.

يخرج آلاف الشيوخ المتنورين والمفكرين المتثاقفين على ظهور شاشاتنا الفضائية ليتكلموا عن التسامح والرحمة والغفران جالبين أمثلتهم عن عظيم العرب الأول ومعلي فكرهم القومي، (السيد محمد)، متناسين أن السيد محمد وما أظهره من تسامح وأشياء أخرى لا يتناسب مع زماننا وسياقنا التاريخي.
أليس من البدهي والبديهي أن يتجرأ شيوخ آخرين على جلب أمثلة أخرى عن تصرفات السيد محمد والتي بدا فيها بمظهر آخر غير التسامح.
ماذا يمنع الشيخ (المتشدد) من جلب أمثلة عن حادثة قطع رقاب اليهود؟
ماذا يمنع (المتشدد) من جلب أمثلة عن زواج الرسول الكريم -الذي صلى الله وملائكته عليه وآله وسلم- من عشرة نساء أو أكثر، بالإضافة إلى التلميح عن أن عمر إحداهن لم يجاوز العاشرة؟
الجواب ببساطة بالغة: لا شيء يمنع البتة. لأنه في حال كان هنالك ما يمنع من التمثل من سيرة محمد بالمجمل، فيجب سريان ذلك على كل السيرة، لا بحسب الآراء الشخصية لفلان أو علتان. بل يجب أن يكون هنالك قانون واضح ثابت محدد يسير الناس عليه، ليعرفوا متى يجوز التمثل بالسيرة المحمدية، ومتى لا يجوز. وفي حال لم يحصل ذلك، فهذا هو الازدواج بعينه.

فلا ذنب البتة للمتشدد نفسه، لأنه أساساً غير متشدد، بل هو يسير على القانون المعلن عنه، لكن البقية (غير المتشددة) هم المنافقون والكاذبون، لأنهم يعملون بالحق من وجهة نظرهم وهو (عدم أتباع السيرة المحمدية بالتفصيل بل بالنتيجة) لكنهم لا يشرحون ذلك علناً، مما يضطرهم للنفاق المستمر والدائم مع بقية الناس (العوام).
دعونا نستذكر ما يلي: لم يخرج حتى الآن، شخص معروف ويعلن على رأس الأشهاد بأنه يحب محمد ويعتبره نبياً لكنه لا يجد سيرته صالحة لهذه الأيام.
لم يخرج حتى شخص واحد.
ولا واحد.
ولا أحد.
ومع ذلك، لا يفتأ المتثاقفون والمتنورون إعلامياً ينافقون ويدلسون الكلام للتهرب من هذا الإعلان. ويبقون يتحدثون عن وهم التشدد مع أن التشدد المذكور (أي المشائخ السالكون بما يقتضيه الإسلام كدين وشريعة) ما هو إلا الإسلام (النمطي التقليدي المعلن).

أنا هنا، وفي غير مكان.. لا أجد ما يعيب السيد محمد من وحي ما نقلته السيرة الشريفة المتواترة، فالسياق التاريخي يجعل مما فعله وأظهره النبي الكريم مبرراً زمنياً، بل أكثر من ذلك، فإن بعض مما حدث نتيجة لما أعلنه محمد هو بحق يشكل (معجزة) والمعنى من كلمة معجزة في يومنا الراهن، هو انقلاب فكري اجتماعي معرفي نقل العرب من مرحلة بدائية (أصيلة) إلى مرحلة متقدمة من مراحل الحضارة الإنسانية.
أما لو قدر لمحمد (ذاته) الظهور في زمننا الراهن، فإني سأعيب عليه عدم لبسه للجينز، وعدم معرفته باستخدام الكمبيوتر، بالإضافة لعدم منعه لظاهرة العبيد والرق والتشدد في معاملة النساء، و الخ……..

يخرج أحد المتثاقفين وينادي بفصل الدين عن الدولة؟
على فكرة أنا أضحك الآن…….
نعم يا سيدي. يخرج أحد الأعلام المشهورين وينادي بفصل الدين عن الدولة، ويدلس وينافق كما تقتضيه العادة، ليتهرب من سؤال المذيع إن كان هو نفسه متدين، فالخوف المبرر لمواجهة التقاليد ينتاب المشهور، ولا ينوي البتة التضحية بمكاسب الشهرة، فيتهرب.
قد يجيب البعض بأنه متدين. وهنا الطامة الكبرى. وقد يجيب البعض بأنه مسلم. ليكتفي بالتلاعب اللفظي، لكن أحداً منهم لم يتجرأ على عرض آرائه الصريحة.
الغرب نادى بفصل الدين عن الدولة، لأن ذلك الدين المتداول هو دخيل على نظرته في الحياة، فالمسيحية شرقية بمعظمها، وتنادي ببطل شرقي إلهي… لذا فصل الدين عن الدولة في الغرب هو العودة إلى تراثهم الأساسي الذي أعده حكماء اليونان أساساً زمن نهضتهم السابقة.. أما لدينا فإن الدين هو القانون المسيطر، والمعنى أن الدولة هي ما يجب فصله عن الدين ليعود الوضع عندنا لنصابه.. أي يجب إلغاء هذه الازدواجية المرهقة لدينا، ووضع قانون واحد موحد يسير به الناس، وليسمى ديناً أو دولة، أو أي أسم آخر.

ليست القضية ها هنا قضية الإسلام وحده. بل قضية عربية خصوصاً، وشرقية عموماً.
فهذه المساحة من العالم ما بين سورية ومصر والحجاز قد أنجبت أنبياء وآلهة عالميين غير السيد محمد.
هذه النعمة التي تحولت مع الأيام إلى نقمة. فالمسيحيين العرب ليسوا شواذاً، بل هم عرب بجدارة، فالدماء هي ذاتها.
من خلال تجارب لبنان ومعاشرة أخوتي في سورية، أثبت المتدينون بالديانة المسيحية ذات المشكلة العويصة.
ربما بلادنا بحاجة لنيتشه عربي، يكتب لنا (عدو محمد)، كما كتب نيتشه عظيم ألمانيا (عدو المسيح).؟!

اللعنة الأخرى على ذات الدرب هي لعنة الكره الشديد الذي يبيته ما يسمى (بالغرب) لنا.
((وهذه دعاية مضللة تنطلي على الغرب ذاته، الذي لا يأبه بمجمله بالدين، ليحدد من يحبه ويكرهه.))
فظهور أناس فاضلون يعلنون الحقيقة على رؤوس الأشهاد، ويكونون نخبة ثورية لإصلاح حال المجتمع، سيجابه بقوى الاستعمار (لا الغرب ذاته) الذي ما يزال يحتل بلادنا بطرق أكثر دهاء.

لعنة مزدوجة، كما هي المعايير المزدوجة، فالازدواج هو بشكل ما السمة البارزة للشخصية العربية والمشرقية عموماً.
متى نكون نسير على قانون واحد موحد، وتقاليد واحدة مشتركة، متناسبة مع العصر الذي نعيش فيه؟
هل يكون ذلك حينما يقرر الغرب المتحضر مغادرة الأرض للسكن على أحد الكواكب الأخرى الأفضل من الأرض، وترك الأرض للأقوام الشرقية المتخلفة؟
عندها، ربما نعود إلى لبس العقال والكوفية، ونترك هذا الجينز المنكر ونسير على السيرة المحمدية الشريفة….
بالطبع، حتى هذا الفرض الخيالي غير ممكن، لأن الغرب لن يدعنا نخرب الطبيعة بغبائنا الشديد، وسيكون سلوكه كما هو سلوك سكان القارة المكتشفة مؤخراً أي أمريكا.

من جهة أخرى، فإن الملحدين العرب الشرفاء، وبخاصة الذين تجاوزوا عقدة ظلم الدين لهم، يحبون محمد باعتباره بطلاً قومياً، لذا فضميرهم لا يسمح لهم باختلاق الأكاذيب وتلوين الحقائق كما فعل سليمان رشدي صاحب الآيات الشيطانية، ولا يتمكنون من رؤية الأمر من منظار العظيم الألماني نيتشه والذي وَسَم السيد المسيح بما صدر عن بولس الرسول لا عن المسيح ذاته.
لعنة مزدوجة، كما هي المعايير المزدوجة، مرافقاً لذلك مشاكل مزدوجة..

أضحى في داخل كل منا نداءان وتوجهان: نداء نحو الصلاح المزعوم (الرجعية)، ونداء نحو الحرية المزعومة (الحضارة المتأمركة). كل هذا يقوم بسبب الازدواج، فكأنما الله يشدنا نحو الموت، وأمريكا تشدنا نحو الحياة!! يا للسخافة! حتى بات الكثيرين من قليلي الحيلة يستصرخون قيام الساعة، فقد نفذت الحلول من مخيلتهم.
متى يأتي المسيح؟ متى يأتي المهدي المنتظر؟ متى ينفخ إسرافيل في الصور؟

من لا يحترم نفسه، لا أحد يحترمه.
ومن يوالي التمسك بالسيرة المحمدية التي تعود لأكثر من 1400 سنة في يومنا هذا، ويصرح بذلك علناً، يجعل الآخرين يفهمون بأنه عاجز عن الإتيان بأي جديد. لذا ستكون معاملته لنا كما تعامل الحيوانات، وإن بدرجة أرقى قليلاً. وهذا ما يفعله معنا قادة الغرب تماماً.
………………………

Advertisements
  1. Mirvat T3ma
    15/09/2011 عند 5:08 ص

    مقالٌ جميل أيهم… يطرح أسئلة مهمة تحيرنا جميعاً..
    أتوقع أن خير الأمور الوسط.. فإن كل الطرفين المتشددين، والعلمانيين الجدد (شباب الثورات من على الانترنت والمدونون) كلاهما يحركان ويعبث بهما بأصابع أمريكية قذرة.. لا بل إن الكثير منهم عملاء لهم..
    لذا برأيي يجب تعميم ثقافة الوسطية.. ريثما نجرؤ على إعادة بعض الأمور الدينية المتشددة إلى نصابها.

  2. أيهم ع. سليمان
    15/09/2011 عند 4:19 م

    مظبوط كلامك.. المدونون صايرين هالأيام بيخوفوا… بس مو كلهم ها….
    تحدث الكثير من المدونين الشباب من أصدقائنا عن ثورة انترنيتية منذ زمن ما.. وها هي قد أصبحت أمراً واقعاً..
    لاحظ في أحداث مصر… كان للمدير التنسيقي لجوجل في دبي دور كبير في إنشاء صفحة (كلنا خالد سعيد) والتي ألهبت الشباب المصري… وبالمثل صفحة الثورة السورية تدار من قبل فداء السيد وخلفه الأخوان المسلمين..
    كما أن دورات مكاتب الجزيرة وأكاديمية التغيير في قطر استضافت عدد كبير من الشباب العربي بهدف إقناعهم بأهداف طموحة بغايات شيطانية مخفية..
    الحذر واجب.. والتعميم خطير هو الآخر.
    مجرد رأي.. أشكرك.

  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: