الرئيسية > سياسة > السياسة الدولية

السياسة الدولية

من عمل في السياسة الدولية ويُسر له الإطلاع على خفاياها وحقيقة اتجاهاتها والقوى العالمية الحقيقية التي تدبر أمور كرتنا الأرضية، وتتناولها باللعب كما كرة القدم. يضحك بينه وبين نفسه على مدى سخف الشعوب، ومدى التضليل الفظيع الجاري والمتواصل عالمياً، والمناداة المستمرة بقيم إنسانية رفيعة، يُتاجر بها كلها جميعاً في سوق بورصة أسهم قلوب الشعوب.

ومقارنة بين الحركات العالمية التي دعت إلى شيء من الإنسانية لتعميمها في العالم، نجد الشيوعية هي آخر الحركات المذكورة التي حاول واضعوها استجلاب الخير للشعوب في ظل عالم تحكمه قوانين مادية شديدة القسوة. لكن الهجمة الشديدة والقاسية آلت آخر الأمر إلى إسقاط الشيوعية وتدميرها وتشويهها.

لا بأس أن نعترف في عالمنا العربي، بأن الفكر الشيوعي غير مستساغ لدينا، فهذه طبيعة الحال بمن كانت آخر حركاتهم الإنسانية (حضارة إصطلاحاً) هي دينية (أي الإسلام). لذا وبالتحليل النهائي نجد أن الشيوعية تسرعت كثيراً بإلغاء الملكية الفردية، ولو أنها اكتفت بالاشتراكية لوجدت سوقاً واسعاً في العالم، ربما تمكنت من كسب قلوبنا العربية في نهاية المطاف.

نعم، كانت الشيوعية آخر دعوة وطنية إلى الإنسانية، وبالطبع هي مفرغة المضمون حالياً. أما الآن فإن دوائر القرار العالمي متمركزة في أمريكا خلف ستار كثيف من الضباب، لكي لا يعلم الناس بأن قلة قليلة من البشر في العالم تدير البشر وتتلاعب بمصائرهم مثل الكرة.

وإلى الآن ما يزال سؤال مضحك يدور بين المتثاقفين العرب: هل إسرائيل تتلاعب بأمريكا، أم أمريكا تتلاعب وتسيطر على إسرائيل؟

وهذا السؤال أن دل على شيء فهو خير دلالة بأنه جهل تام من السائل والمجيب، يتسرب للمستمع، على أن الأمر هو دول تسيطر على دول، بينما هذا من بديهيات السياسة الدولية، أما السؤال عمن يدير العالم حقيقة فهو سؤال محرم على كل قنوات التلفاز أن تطرحه أو تتداوله، لأنه يقضي بأن تبدئ الشعوب تفكر بمصالحها، وهذا خطر شديد على ولاة الأمر التابعين للقوى العالمية، كما أنه خطر لاحق على القوى ذاتها.

من البديهي جداً أن يكون لدولة مثل سورية نفوذ قوي في لبنان، والذي هو أساساً جزء مقتطع منها، ناهيك عن التقارب الجغرافي والفكري بين الشعبين. من البديهي أن يكون هنالك نفوذ عراقي في الكويت، وآخر جزائري في تونس.. من الطبيعي أن يخضع الفاتيكان (جل جلاه) لبعض السلطة الإيطالية.. هذه بديهيات وطنية جغرافية فكرية.

لكن أن يكون السفير الأمريكي هو الراعي الأول لقطيع من الأغنام اللبنانية والكويتية والتونسية وغيرها الكثير….. فهذا سياسة.

دعونا نتمعن في ((السياسة))! رحم الله أجدادنا العرب، فقد كانت لغتهم إبداعاً فكرياً معرفياً صاغوا من خلالها جل أفكارهم ولخصوا بها نظرتهم في الحياة.

قالوا في السياسة: (ساس) الخيل: أي دربها على إطاعة أوامره فيما فيه خيره وعدم ضررها في ظل سيطرته عليها. كان أجدانا العرب يستخدمون هذا الفعل للحيوان، لأنهم وجدوا أن التفاهم بين البشر أكثر رقياً، ولا يحتمل هذا الكذب والنفاق وتلوين المصالح.

فتلك القبائل البدوية التي كانت تفترش الصحراء لم تكن لتُجمِل ما تدرك بأنه سنةٌ لا مفر منها، فكان الغزو على القبائل الأخرى لا يتخفى وراء المطالب الإنسانية وشعاراتها الزائفة، بل كان بقصد الإبقاء على الحياة والمحافظة عليها.

لم يجد أجدادنا من حاجة للكذب والنفاق لتبرير إقامة جماعاتهم. وهنا كان دور البطل العربي (السيد محمد) والذي هو ابن لأحد مدننا أساساً (مكة)، وقد عاين جوانب سياسة الفرس والروم (في الشام والعراق). لكنه مع ذلك لم يدلس وينافق ويداهن، فقد كان كلامه المأثور بأنه أغراهم صراحةً بكنوز كسرى، وسيادة العرب على محيطهم الجغرافي، لأن ذلك ما لا بد منه للارتقاء إلى مستوى الأحداث العالمية آنذاك.

فكان محمد منشئ السياسة العربية، والتي شرعها بأن السياسة يجب أن تكون موجهة للآخر، لا للداخل، فذلك هو أرقى ما يمكن أن ييسر البقاء أحياء دون تسلط الأجنبي علينا، فكان الدين الإسلامي الفريد بالدعوة الإنسانية الشاملة، والتي اقتصرت كما نعرف الآن على المحيط الجغرافي المباشر فقط. لأن محمد لم يكن ينوي إخضاع الأرض جميعها لحكمه، بل سيادة قومه على بلادهم ووطنهم.

كانت تلك هي السياسة عند أجدادنا، لا تصلح للتعامل بين البشر، لكنهم استخدموها لإقامة دولتهم بعد أن أدركوا بأن البقاء للأقوى حصراً، ففضلوا أن تكون قوتهم معنوية لا مادية فقط.

أما في يومنا الراهن فإن تشابك المصالح وترابطها، وثورة الاتصالات العالمية، قلبت موازين القوى العالمية، فلم يعد يكفي المناداة بالوطنية لضمان حقوق البشر ضمن جماعة معينة، ولا بد من استرضاء رؤوس الأموال المسيطرين على ماكينات الضخ الإعلامي عالمياً في غمرة الأشياء المسيطر عليها من قبلهم.

لدى القوى العالمية المسيطرة القدرة على تدمير ومسح أي مكان في العالم عن الخارطة البشرية إلى الأبد، من دون الحاجة للتبرير أساساً، لكنها بما توحي به كلمة السياسة غير مضطرة لذلك، فهذا مضمون لها عبر وسائل أخرى أكثر دهاءً وخبثاً ونفاقاً.

وعودة إلى بدء، والعود أحمد… (عما يتساءلون؟ عن النبأ العظيم!)…..

عما يتساءل العرب حالياً؟

عندما نزلت هذه الآيات على النبي محمد كان العرب يتساءلون ويسألوه شخصياً عن كيفية حل مشاكلهم في ظل قبائل اليهود المتكاتفة غير المندمجة في محيطها، وعن طغيان الروم والفرس على بلادهم!

كان جواب محمد (عملياً) هو الوحدة بالقوة العسكرية. ولم يولي أهمية لدين الناس والأقوام كثيراً، فالناس تتطبع مع الزمن، لذا كانت (الجزية) وضمان الأمن للرعايا. فكان أن استقبل المسيحيون العرب أفواج أخوانهم المحمديين وفتحوا لهم قلاعهم وحصونهم في الشام والعراق لطرد الفرس والروم.

للأسف حتى ذلك السؤال الذي طرحه أجدادنا على أنفسهم (كيف السبيل إلى الوحدة) لم يطرح بعد؟

ونحن نقترب من تصفية كل من نادى بهذا السؤال في السابق قريباً.

ما يزال المتثاقفين أمثال عزمي بشارة (لعنه الله من بين البشارات) يوالون طرح أسئلة أخرى:

كيف السبيل لإسقاط أي نظام عربي (قطري) غير خاضع للمخططات الأمريكية ومصالح القوى العالمية؟

كيف السبيل لإقامة نظام الديمقراطية و(الحرية من أي رئيس وزعيم عربي)، كي لا يتمكن أي زعيم أو رئيس من تلبية مصالح شعبه الوطنية الخاصة؟

كيف السبيل للتعايش مع الجسم الغريب إسرائيل كي لا تتمكن دولنا من الوحدة أبداً؟

وما يزال السؤال المضحك مستمراً:

هل أمريكا تسيطر على إسرائيل، أم إسرائيل تتحكم بأمريكا؟

لنستذكر بأن الخيل لا تروض بسهولة، ألا نكون على مستوى الخيول على الأقل؟!

آه من السياسة!

……………………..

Advertisements
  1. لا توجد تعليقات حتى الأن.
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: