الرئيسية > سياسة سورية > العلم نور، والجهل هو الشيطان الرجيم

العلم نور، والجهل هو الشيطان الرجيم

قررت إسرائيل اعتقال مراسل الجزيرة (علاوي) بتهمة تعامله مع القاعدة…؟!

كما قررت تركيا طرد السفير الإسرائيلي….؟!

النتيجة المنطقية عند الجاهل بالسياسة الدولية وحبائلها: الجزيرة وتركيا (أوكي) يا سلام! يا عيني! الله مقويكم!

بالرغم من أن رئيس المجلس الانتقالي الليبي وآخرون كثيرون فيما سمي (ثورات عربية) هم القاعدة والإخوان المسلمون بقدهم وقديدهم.

خطب بنيامين نتاياهو في الكونغرس الأمريكي وتراجع أوباما عن مواقفه المعلنة قبل يوم واحد.

والنتيجة المنطقية عند الجاهل: يا سلام! أ رأيتم! إسرائيل تسيطر على أمريكا!

وتتوالى المسرحيات وتتوالى السخافات وتتوالى الاعترافات، والشعب العربي (شعوب المنطقة عموماً) يرزح في جهله المقيت، وغبائه المتأتي عن جهله.

أن الصغار هم الجهلة، فليست القوى العالمية المسيطرة على ملعب السياسة الدولية سوى أشخاص في نهاية المطاف. والغباء الموسوم للشعوب هو مسألة نسبية، وهذه المزحة السخيفة التي نتداولها في مجالسنا عن غباء الشعب الأمريكي، هي هراء مسموح تصديره لنا نحن الجهلة حصراً.

فإسرائيل واليهود جميعاً مع بروتوكولاتهم لا أهمية لهم إن لم يكونوا أصحاب مال في زمن المال الأمريكي، وأمريكا (المسيحية، ها ها) لم تجد أي غضاضة في تهجير كل مسيحيي العراق من أرضهم وتشردهم في أنحاء العالم. كما أن أصول الأمير السعودي الوليد بن طلال الإسلامية لم تمنع الغرب على قبوله في النادي المسيطر على العالم.

وللسخافة فنحن ندرك من تجاربنا الشخصية في حياتنا العادية أن من جعل المال همه الرئيسي في الحياة استغنى عن أي دين أو ولاء آخر.

فلا مشكلة للأمير السعودي في جلب الأمريكان إلى بلده، ولا مشكلة عند يهودي ما بقتل أبناء دينه…

فحينما يعبد المال، تختفي كل القيم الأخلاقية، فما بالكم بالدينية أو العرقية…!!

الأكثر خطورة في الأمر أن هنالك عبارة كَثُر تداولها بين متثاقفينا مؤخراً… (سياسات الدول تبنى على المصالح) وبدت وكأنها أمر مسلم به لا مفر منه.

وهذه العبارة كانت تسربها الماكينات الأمريكية، منذ زمن مضى، لمن لم يقتنع بحربها الطويلة الباردة مع المارد السوفيتي حيث كان التركيز الأساسي هو التركيز على خطر الشيوعية فكرياً.

لكن وبسبب أن نسبة كبيرة من الشعب الأمريكي آنذاك كانت غير متدينة أيام انتشار الصرعات الهيبية، كان يمرر أمثال هذه العبارات عن المصالح لمن لا تنطلي عليه حيلة الدين.

أما أن تصل هذه الفكرة إلينا نحن الشعوب المؤمنة حتى الصميم، والمتدينة بغالبها، فهذا هو أسخف ما يمكن أن يقوله المتثاقفين.

يعتقد بعض السفهاء أن أمريكا ستسمح لإسرائيل بالطغيان على البلاد العربية المجاورة، متناسين أن إسرائيل ووصفه الأمثل هو (كيان صهيوني) ما هي إلا مجرد أداة، وأنه غير مسموح لها تجاوز حدودها، كما الأمر ينطبق على سورية مثلاً بوصفها (المستهدف من وجود هذه الأداة).

كما أن إسرائيل غير عاجزة أبداً ولن يردها شيء البتة عن إبادة الفلسطينين (حرفياً) في كل أنحاء العالم، لو أن أمريكا تسمح لها بذلك.

وإن أمريكا لن تسمح بإزالة كل أعداء إسرائيل وقلبهم إلى أصدقاء لها، كما إنها تنفذ ذلك بمنتهى الخبث واللؤم.

لما لا ننتبه نحن الشعوب لمثل هذه البديهيات في السياسة الدولية؟

الجانب الأول: غباء الأدوات.

من المقدر لمن يخدم مشروع محدد أن يبقى خادماً، وبالتالي فإن مقدار معرفته بمرامي المشروع، وتوجهاته، وأبعاده، محدود على الدوام.. وبالتالي فإنه يبقى مقصراً في فهم حقائق السياسة الدولية، فما تتيحه له القوى المسيطرة من الفهم هو ما يسمى بالأهداف المباشرة، لكن الأهداف غير المباشرة، والتي هي دوماً أهم وأكثر أهمية، تبقى غائبة عن فهمه واستيعابه، وهو الذي أعتاد على رؤية الصورة ناقصة ومن منظار واحد ذو جهة واحدة، والذي أعتاد أيضاً على الانتباه إلى المطامع الصغيرة.

لذا فإن كل من إسرائيل والأردن والسعودية (التي رسمت بريطانيا الاستعمارية حدودها ومقدراتها وسياساتها سابقاً) وتركيا والبلدان الأخرى، والتي تمشي في المخططات الأمريكية الإستراتيجية حالياً وتعتبر أدوات لها في المنطقة، تعاني من نفس العلة على الدوام..

فحتى مصر التي اختارت الدخول والتماشي مع المخططات الأمريكية منذ أيام السادات، أدعت أن ذلك متماشي مع مصالحها الوطنية العامة الخاصة (العامة لشعبها بأفراده، والخاصة بشعبها عن شعوب العالم)، إلا أن الحقيقة التي أنكرها الغبي السادات بأنه لم يكن قد بحث وفتش عن مصالح بلاده أبداً عندما خطط للانقلاب في مواقف مصر.

ولا أدل على ذلك من تقسيم السودان، الذي بقي حسني مبارك يتفرج عليه دون أن يحرك ساكناً، مع أنه وبلاده المستهدف الأول من هذا التحول الجغرافي على حدوده الجنوبية.

قد يكون السلام بين مصر وإسرائيل يتوافق مع مصالح مصر، لكن ما فعله السادات هو استسلام، لا سلام. ثم أن إسرائيل والتي هي بدورها مجرد أداة وبالتالي ينتابها قصر النظر والغباء ذاته، لم يكن هذا السلام (أي اتفاقية كامب ديفيد) من صنعها الخاص، ولولا المهندس الأمريكي كسينجر، لكانت مصر وإسرائيل قادرين من الوعي بمصالحهما المشتركة الظاهرة، ووجدوا صيغة أخرى أفضل من الاستسلام.

ببساطة أمريكا كانت موجودة في هذه الاتفاقية على الطرفين. لذا هذه مجرد الإرادة الأمريكية للسيطرة على كل من مصر وإسرائيل، وضمان بقاء كلاهما أداة، و(مجرد أداة) على الدوام.

الجانب الثاني: غباء الصغار.

من المقدر على كل شعب يحوز على إرادته الوطنية الخاصة، بشكل من الأشكال، أن يعاني من غباء شديد، ناتج عن الاختلاف الكبير الهائل بين المعلن من السياسة العالمية، وحقائق السياسة الدولية، بالإضافة إلى مدى التشابك الشديد بين الخاص والعام في دول كثيرة من العالم. فما يسمى اصطلاحاً (رغبة شعبية عامة) قد يكون لا يعدو كونه مجرد مصلحة شخصية لسياسي يريد الوصول إلى السلطة، في مكان ما، رغماً عن الرغبة الشعبية عامةً، وخاصة في الدول التي تدعي الشكل الديمقراطي.

ولأن الدولة هي بالنهاية ليست مجرد شخص، بل هي مجموعة مؤسسات، فإن مقدار نمو هذه المؤسسات وقيامها بالمهام الموكلة إليها، وطريقة صياغة هذه المؤسسات وحدودها، حد يحدد مدى تبلور الإرادة الشعبية وبدء زوال الغباء (الذكاء) في السياسة الدولية.

لذا فإن سورية، حالها حال جارها العراق (سابقاً أيام حكم صدام)، وإيران، الخ… تعاني على الدوام من قصر نظر في مصالحها الحقيقية، وتبقى سياستها الخارجية انفعالية (لا فعالية) إلى حد كبير.

وإن كان الرئيس السوري الشاب بشار الأسد (وريث تركة أبيه السياسية) قد بدأ يدرك بعض الحقائق الدولية كما يظهر جلياً مما يعلنه سياسياً، فإن قصر النظر يبدو واضحاً أيضاً من بعض العاملين في السياسة.

وليس أدل على ذلك من التصريح الذي أبداه عدد كبير من المسؤولين والمحللين السياسيين السوريين بأن المطلوب من (الحركة الاحتجاجية) والأحداث الحاصلة مؤخراً في سورية هو جعل سورية أضعف، لا إسقاط النظام لجلب آخر موافق لإسرائيل،وهذا  ذكاء متبدي يجعلنا نؤكد خلاصة ما قلناه. ثم أن هذه التصريحات قيلت في خضم الأحداث دلالة على فهم الطبخة تماماً (وبالطبع المتبدي منها فقط).

ومن ثم بعد ذلك، فإن هنالك تصريحات متفرقة أخرى، تعزو المصلحة الأمريكية في إضعاف سورية إلى خروجها من العراق، أو حرب قادمة على الخليج العربي أو أحد دوله من أجل النفط، أو ضرب إيران، أو إحداث ثورة شعبية مصطنعة فيها، أو تمديد الدرع الصاروخي الأمريكي باتجاه روسيا، في بلاد أخرى أكثر قرباً كتركيا مثلاً.

دعونا نقدر قيمة هذه التحليلات السياسية، لكن لنستذكر معاً بأن أهداف السياسة الأمريكية في أنحاء العالم لا تعلن حتى للكونغرس الأمريكي ذاته… بينما وبكل بساطة فإن وزير الخارجية السوري (الذي بقي سفير لسورية أكثر من عقد من الزمن في أمريكا) أعلن بأن لا حرب قادمة على سورية أبداً لأنه لا يوجد نفط في سورية.

هذا هو الفرق بين السياسة الدولية غير المعلنة، وبين السياسة الوطنية الناشئة التي يشوبها قصر النظر (قد يقول البعض أنه طبيعي)….

قد يبرر البعض بأن سورية بحاجة الآن لتوسيع فهمها لحقائق السياسة على أكبر قدر من اللاعبين الدوليين الصغار الناشئين، حتى لو كان هذا اللاعب هو إسرائيل. وفي هذا مصلحة لها بأن ترهق السياسة العالمية والأمريكية خصوصاً، لأنها ستضطر لمواجهة عدد أكبر من المصالح الوطنية الخاصة هنا وهناك.

قد يكون ذلك حقاً، لكن الحقيقة أيضاًَ بأن سورية لم تعلن عن نوايا السياسة الأمريكية في القطب الجنوبي، أو في أوربا، أو في مكان بعيد، بل في منطقتها القريبة الخاصة بها، لذا فما فعلته يندرج في إطار الأفعال (الانفعالية) أي في إطار دفاعها عن نفسها، لا هجوم ومهاجمة (شد ورخي الحبال) والتي هي السياسة الدولية حقيقةً.

في ذات مرة، كنت مع صديق لي أتساءل عن سبب جفاءه وعدم قبوله لزميل جديد في العمل، فأجابني حينها، إنه ابن ريف…

استغربت الإجابة، ولو أني لم استنكرها فلأني أعلم أن صديقي ليس من النوع الذي يميز بين البشر بهذا الشكل الطبقي، كما أنه هو ذاته منحدر من أسرة ريفية. ألحيت على صديقي لفهم قصده بهذا الزميل (الدرويش!).. فقال: الدرويش “بيرفّس”. ثم طفق يشرح لي بأن الجهل المتأتي عن العيش في القرية البعيدة قد يسول للزميل أن يفهم الأمور بعكس ما تعنيه. فهو يصادق من يريد أن يسخر منه ومن لهجته، ظناً منه بأنه يحبه. ويعادي من ينصحه ويقرظه ليعدل سلوكه، ظناً منه بأنه يكرهه. ويجافي من قد يأتي الخير منه، ويدنو ممن قد يصيبه منه أكبر الشرور بدافع الفضول.

مرت الأيام، وشهدت بعيني حال ذلك الزميل، كان بالفعل قد (رفّس) كثيراً، ولو أن حاله قد استقامت في النهاية بعد أكثر من خمس سنوات.

الجهل نقيض العلم، والظلام نقيض النور، والشيطان نقيض الرحمن… ألا فلنتمسك بالعلم والمعرفة، لنتجنب أحابيل السياسة الدولية -والأمريكية خصوصاً- الغاشمة.

على كل إنسان من أصول شرقية (العرب والفرس والكرد والترك)……

على كل إنسان من أصول دينية (مسلمون ومسيحيون ويهود)…….

أن يعلم بأنه يشكل مطمعاً ووقوداً لرحى السياسة الدولية الراهنة. وأن الاستهداف الأول لهذه السياسة هو المادة والمال، لا الدين ولا الفكر ولا الإيديولوجية…

وأنه في حال عدم وجود مطامع في مكان ما فإن السياسة الاستباقية الدولية تسعى لتجميد الأوضاع، أي استمرار النزاعات وعدم التفكير في المصالح العامة الخاصة…

ألا هل بلغت! ألا هل بلغت.

العلم يرفع، والجهل يشيطننا.

………………………

Advertisements
  1. لا توجد تعليقات حتى الأن.
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: