الرئيسية > سياسة > بين الحذر والمؤامرة

بين الحذر والمؤامرة

بين الحذر والمؤامرة:
البراءة العربية:
على خلفية الأحداث الجارية في الوطن العربي.. وما سمي “الثورات العربية”، ابتداءً من تونس، فما الحب إلا لبوعزيزي الأولي…. وصولاً إلى سورية… فقد بات كل شيءٍ بالنسبة لي مشكوكاً به. خاصةً برؤية الكثير من التدخلات الدولية الغربية في تفاصيل ودقائق هي عادةً (كما يروج) من الخصوصيات المحلية، سواءً من أمريكا والناتو، أو من بقية اللاعبين الدوليين كالصين وروسيا وإيران..
نعم، كل شيء حدث ويحدث.. مثارٌ للريبة والتوجس، فحتى ذلك الشاب التونسي المحترق غيظاً صار بطل إحدى السوالف الشعبية عن القصص المخابراتية ذات الصناعة الغربية.
إن هذا الطابع، طابع الحذر والتوجس.. أو ما يسميه ويسوقه الغرب لنا تحت اسم (نظرية المؤامرة) هو طابعٌ طبيعي لي حالياً.
أما (الطابع) فهو سمة مميزة في الشخصية الإنسانية يصعب تغييرها بسهولة… وأما (الطبيعي) فهو الأمر الميسر حصوله بشكل متوافق مع الطبيعة وقوانينها الثابتة. وبذا يختلف الطبع، والطابع عن العادة، التي من الممكن للإنسان أن يتخلى عنها بيسرٍ ومجهود أقل.
فبعد حوالي القرن على قيام (الثورة) العربية الأولى والتي أسميت لنا (الثورة العربية الكبرى) نفاقاً وزوراً روجت له بريطانيا الاستعمارية ذاتها للانفصال عن الإمبراطورية العثمانية، ومن ثم احتلال أرضنا مع فرنسا وإيطاليا….
بعد قرن على تلك الحادثة المميزة في تاريخنا العربي المشترك، بقيت الشعوب العربية تتشرب صفة الحذر والريبة حتى صارت تعتاده.
لاحظ الغرب (أمريكا تحديداً) هذا الجانب الإنساني في الشخصية العربية الناشئة واستغله بشكل مستمر لضمان استمرار تحكمه بنا ولعبه بنا كما يتلاعب الطفل بالفراشة.
وتوالت مسرحيات ابن لادن، والأفغان، بعد مسرحية أبراج التجارة في نيويورك، وكانت لاحقاً مسرحية الأسلحة النووية في العراق، ومسرحية الديمقراطية التي يجب تصديرها.. وما إليها.
يتواجد في الوجدان العربي والسوري نكتة مفادها: أن حمصياً أكل 100 كف غدراً.
النكتة مضحكة جداً، خاصة إن كنت تسمع بها للمرة الأولى… وفيما أذكره من الإنجيل، هو ضحك تلامذة السيد المسيح عند قصه لهم قصة النبي إبراهيم وأبيه عندما حطم الأصنام ووضع الفأس بيد كبيرهم واتهمه بأنه الفاعل… عندها أجاب المسيح معاتباً تلامذته بأن سبب ضحكهم على القصة هو التشابه بينهم وبين أبو إبراهيم، فالمثيل يميل لمثيله، يطربه ويضحكه.
نعم، الحمصي أكل 100 كف غدراً.. وبعضنا حدث معه شيءٌ مشابه.
100 سنة، قرنٌ من الزمان، والغرب يغدر بنا.
فقط 100 سنة، ويتوقع بعض العرب إننا يجب أن نقلع عما يسمى (نظرية المؤامرة).. يقولون، هؤلاء المتأثرين بالدعاية الغربية… يقولون لنا يجب أن لا نكون كذلك.
إن البراءة، طبع أساسي في الشخصية العربية والمشرقية، وهذا بسبب الحالة النفسية الوسطية التي يسببها تفشي الدين والإيمان في مجتمعاتنا.
فالإيمان أساساً اشتقه العرب (فصحاء اللغات) من كلمة الأمن.. والتي بدورها اشتقت من كلمة أم… مصدر الإحساس بالأمان في أحضانها، وهذه النون المضافة دلالة على الذات (أنا، نحن).. ففي أحضان أمك لا تجد منها ممانعةً في إبراز شخصيتك الذاتية المستقلة عنها.. ولا شيء يقطع الرابط بين الأم ووليدها، فحبل الصرة ليس الحبل الوحيد بينهما. والرحمة المشتقة هي الأخرى من (الرحم) الخاص بالمرأة رابطٌ يتجلى بذوي القربى. والأم ترحم أبنائها أياً يكن ما يفعلونه في طريق بناء الذات، كما أن هذا (الرحم، الرحمة) رابطٌ بين الأخوة.. ومن الرحم اشتق العرب اسم إلههم (الرحمن).
هذا وغيره، مما حدس به العرب، واحترموه من قيمٍ أخرى اكتشفوها في مؤسسة الأسرة.. فكانت كل مؤسساتهم الأخرى (كالقبيلة والعشيرة والأمة) مثالاً لمدى احترام وتكريس تلك الروابط، والتي حتى أديان المشرق وقفت إزائها موقف الإجلال وقدست بعضها أحياناً.
(وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا..)
لذا فهذه المؤسسات القائمة حتى الآن في الشرق تعزز طابعاً أساسياً ألا وهو التراحم وما ينتج عنه من براءة.. أمناً وأماناً. ونحن إزاء هذا لا نستغرب إن العرب طوال القرن المنصرم بقوا يتلقون الصفعات واللكمات المميتة.
لأننا بريئون، ألا يحق لنا التساؤل، لما يا عالم الغرب، لا ترشدونا إلى الدرب الصحيح؟؟
هذا ما يفعله أبناء أمتنا وشبانها التواقين للتغيير، فأهداهم الغرب لبلسم الديمقراطية، والتي لم يطبقها الغرب نفسه حتى الآن.

11 أيلول:
كيف يتجرأ بعض الحمقى بين ظهرانينا، المضللون بالإعلام الغربي والمتغرب والمستشرق… كيف يتجرأون على القول أننا مسؤولون عن أحداث برجي التجارة والشرطي الأمريكي يقود العالم؟
لم يبدي الشعب الأمريكي نباهةً تختلف عن نباهة العرب عندما بات يكرهنا بعد تلك الهجمات التي قتل فيها نحو 2000 أمريكي. مع أن بلادهم الرشيدة أبادت آلاف العرب قبلاً في تدخلاتها المميتة في منطقتنا مباشرةً وبالوكالة من كيانها الصهيوني.
ومن بعد، مليون ونصف عراقي، وتهجير مثلهم (إلى سورية وحدها) بالإضافة إلى إخلاء العراق من مسيحييها، وتقسيم البلاد إلى ثلاثة أقسام.

هل ما يسمى عبثاً (بالتشدد الإسلامي) صناعة عربية؟
الوهابية، تلك القبيلة النجدية التي زحفت، بالتواطئ والتحريض من بريطانيا، إلى الحجاز. والتي أعملت القتل والذبح (بعباد القبور) الذين كانوا سدنة الحرمين الشريفين ووصلت مذابحها إلى جنوب الأردن واستولت على الجزيرة العربية بعد أسرة الشريف حسين الهاشمية، لتستولي على منابع النفط الوليد، هل كانت هذه القبيلة لتفعل ما فعلت لولا الأصابع الغربية؟
والأخوان المسلمون، ذات النشأة المشبوهة بالطالب الشديد المثالية حسن البنا، والذي اغتيل باسمه رئيس الحكومة المصرية، ومن ثم قتل ليحل محله الماسوني حسن الهضيبي، الذي أبعد الرعيل الأول أمثال عبد الرحمن البنا، والغزالي، والدمرداش المثاليين، ومن ثم نشر فكره المسموم من لندن ونشره حيثما يشاء البريطانيين في أصقاع بلادنا، مزاوجاً بين السياسة والدين الإسلامي والخبث الماسوني السري لينتج معه مركبٌ قذرٌ قبيحٌ مقززٌ يسمى أخوةً إسلاميةً باطلاً، ومن ثم سلفيةً رجعيةً أكثر قذارة.
ليتبعهم لاحقاً رد الفعل المعاكس من الأقليات الدينية الأخرى فنتجت الكتائب اللبنانية والدعوات الكردية الانفصالية والبربرية والقرقرية……… وكلها جمعياتٌ سرية، لا يعرف كنهها وحقيقة أمرها سوى الله.
وأغلبها مؤسسات تلبس لبوس الدين والفكر المثالي، لتباعد الشقة بيننا وبين حقيقة العالم الذي لا يرحم، وتعيدنا إلى مجاهل التاريخ، وأكثر صفحاته سواداً، مضمرةً كل شرٍ بنا.
ألم يرعى الغرب كل هذا وينميه بإشرافه المباشر؟ هل كانت تعجز ملكة الديمقراطية والحرية والعدالة العالمية أن تفكك مثل هذه الحركات من نشأتها المشبوهة؟

السياق الطبيعي لأي دين، وشيطان التفاصيل:
إن السياق الطبيعي لأي دين أو قانون أو تشريع يظهر، أن يتوجه من التأسيس المشروط إلى التحلل المحتوم، وإعادة الصياغة المتكررة، ليتلاءم مع الظروف المستجدة.
أي أن ما يسمى عبثاً (التشدد) أمرٌ غير طبيعي وغير ميسر بدون الضخ المستمر ممن له مصلحة ما ببقاء القوانين على حالها السابق.
حالُ هذا الأمر ما يحدث مجتمعياً، فالأنظمة الحاكمة تحتاج لإعادة إنتاج نفسها كل فترة. إلا أن آلات الضخ الاستعمارية الضخمة المتمثلة بالإعلام، تسعى للتركيز على الحدين البعيدين (إثارة الغرائز) والنقيض المقابل (كبتها) تقوم الدعارة والتجارة العالمية الجشعة بالمهمة الأولى بينما تتكفل الأديان بالثانية. فيضيع التشريع الوطني محاولاً إيجاد الحد الوسطي الذي يضمن استقرار المجتمع، ويتناسى المهمة الموكل بها، وهي إعادة الإنتاج والإبداع للقوة، لأن السلطة لا يمكن أن تسيطر على المجتمع وتقوده نحو ما يرغب به من دون قوة. قوة للدفع، وقوة للممانعة الخارجية للآخر. وقد كان الأمر محققاً في القرون الوسطى بازدواجية (الخليفة والسلطان العثماني) أحدهم للدفع، والآخر للممانعة.
إلا أن الدين فقد مؤسسته باختفاء الخليفة، ونشوء الطوائف، فبان الخلل بحتمية الديمقراطية. لأن ما كان يلاءم السلطان، لا يلاءم زعماء العرب الكثيرين.
كيف حدث هذا؟ هل كان الغرب غافلاً عنا، ومشغولاً بأمورٍ أخرى؟ أم أنه هو من هندس هذا المصير الشنيع؟

رحلة مدرسية إلى نواعير حماة:
خرجت عدة فتيات دمشقيات من الحافلة في حماة مطلع القرن الفائت، حيث كن في رحلةٍ مدرسية لمشاهدة النواعير. كانت تلك الفتيات يرتدين تنانير قصيرة، مما جلب لهن تجمهر الأهالي وانزعاجهن المتبدي لهذا المنظر.
وحماة هي تلك البلدة المحافِظة، بسببٍ من الإقطاعيين والمرابعين في العهد العثماني المستقرين في تلك البلدة التي تقع بجوار أكثر المناطق السهلية الخصبة في سورية الطبيعية، وهي سهل الغاب حول نهر العاصي.
في السبعينات.. كان لمثل تلك الرحلة ألا يثير تحفظاً مماثلاً، لأن الزمن والتحولات الطبيعية غيرت البلدة إلى مدينة، وساست الناس وتروضت على التحلل من التقاليد غير اللازمة وابتكار أفكار للتعايش السلمي الذي يجلب الخير للجميع، خاصةً وأن أغلب زوار المدينة هم من ريف حماة الأقل تشدداً تاريخياً بحكم دينهم أو تقاليد الريف.
إلا أن الكيان الصهيوني القريب العهد بحرب هزته، وبتعاون مع أمه الشرعية البريطانية، استقدم شياطينه وزرعها بين العائلات المتضررة من الإصلاح الزراعي، إقطاعيي الزمن السابق، فتم التذكير بالقبيح ملوناً بالألوان البراقة، والدين المثالي مغرٍ دائماً لأهل الشرق، فكان الأخوان وكانت المجازر التي استمرت ردحاً من الزمن.
عام 2010م، إن مثل الرحلة المدرسية مضرب المثل لم تكن لتهز شعرة في أهل المدينة المذكورة ذاتها، وفي الموقع ذاته… أفلا يستوجب ذلك العبث بما تم إصلاحه من تعايش؟

التيمم بالتراب:
إن ما يسمى إسلامياً (التيمم بالتراب) هو ضرورة ملحة كان العرب يلجؤون إليها كثيراً في مكانٍ شحيح الأمطار قليل المياه، وقد شُرع للحفاظ على النظافة والصحة العامة في عصرٍ لم يكن يعرف المستشفيات والمستوصفات المجانية والعيادات الطبية والمراحيض العامة والماء المتوفر في كل منزل للشرب والغسيل والاستحمام.
لا يوجد الآن جامعٌ واحدٌ، لا يتوافر فيه ماء سبيل مجانيٌ للاغتسال.
والطبيعي، الطبيعي جداً، أن يتم الاستغناء عما فرضه أجدادنا، والخلوص منه تدريجياً.
أساساً، أليس من السخافة الشديدة أننا ما زلنا نتكلم عن التيمم؟
سيارة شاحنة (براد) متوقفة بجانب الطريق العام، وشخصٌ بجانبها يتيمم من (الصعيد الطيب)، ومن المؤكد أنه اغتسل صباحاً ومساءً. قلت في نفسي لعل يديه متسخات بالشحم! لكن فهمت القصة عندما أكمل فعله بمسح كل ما يجب مسحه منذ 1400 سنة، ومن المؤكد أنه زاد اتساخاً عما كان حاله أولاً.
والدين القسم التشريعي من الإيمان، قابل حتماً للتغيير المؤكد فيما يلي من الأيام، فهذه سنة الحياة وشريعتها الأبقى والأكثر دواماً من أي سُنة. أما ما شرعه موسى فقد أبطله عيسى وغير به. كما فعل محمد من بعدهم.. لأنهم محكومون جميعاً، وكذا نحن، بسنة الله (الحياة)، أما سنة الله فلن تجد لها تبديلا.. (هو كل يومٍ في شان).

الرجعية غربية:
إن الرجعية بكل أنواعها وأشكالها هي مؤسسة غربية، يسعى الغرب حثيثاً على تكرارها في مجتمعاتنا لتحد وتكبح من تطورنا وتحضرنا ومحاولاتنا اللحاق بسياق العصر الحالي.
وبالرغم من كل ذلك، يتأتى للحمقى أن يوجهوا كلامهم لنا (نحن المجتمع العربي) لينصحونا بالتقليل من تشددنا… ألا فوجهوا كلامكم وسهامكم للغرب، فالرجعية تنمو بيننا بدعمه وتمويله.
ملايين العرب استشهدوا وقتلوا.. ملايينهم حائرون ومرتبكون.. ملايين لا يجدون ما يؤكل.. في ظل فرقةٍ وتناحرٍ وقتلٍ، ونلام بعد كل هذا على جهلنا وتخلفنا.. مع أن الغرب الكريم يرفض مشاركتنا بسر اختراعٍ واحدٍ بدعوى حقوق الملكية، وما هي حقوق الملكية المعرفية هذه؟ إنها الديكتاتورية تتزين يثوبٍ جديد… ومن ثم يرمى للصومال بالعظام لتلحسها كما تفعل الكلاب الجائعة.

الحذر والريبة واجبٌ اليوم، فالمؤامرة مستمرة من حكام العالم القاطنين في الغرب لسوء المصادفة، ولا بد لنا من المواجهة المستمرة… لا بد لنا من القتال حتى الرمق الأخير.
فالخيارات الأخرى هي الموت كمداً.

Advertisements
التصنيفات :سياسة الوسوم:, , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , ,
  1. لا توجد تعليقات حتى الأن.
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: