الرئيسية > مجتمع > العرب و قصة الحضارة..

العرب و قصة الحضارة..

“إن نظام الوجبات الثلاث في كل يوم نظام اجتماعي غاية في الرقي، أما الأقوام الهمجية فهي إما أن تتخم نفسها دفعة واحدة أو تمسك عن الطعام”…..

بهذه الكلمات يستفتح ويل ديوارنت أحد مطالع موسوعته الشهيرة “قصة الحضارة” بقولِ لأحد علماء النفس…. وبهذا يمهد لوجهة نظره التي أضحت نظرية علمية اجتماعية يعتمد عليها، بأن الفرق بين الهمجي (يفضل ديوارنت كلمة بدائي) والمتمدن هو هذه الحقيقة في العبارة المقتبسة تلك.

(الحيطة) هي الكلمة التي لخص بها هذه العبارة، والمقابل لها هو (قصر النظر) ليس إلا… فبدونها أنت بدائي، وببعد النظر تنحو وتتمثل بالتمدن (الحضارة لاحقاً إن واتت الظروف).

يرتب ديوارنت عوامل الحضارة بدءً من العامل الجيولوجي (الزلازل والبراكين والمناخ وطبيعة حركة البيئة) فالعامل الجغرافي (تموضع في مكان التقاء لطرق المواصلات) فالاقتصادي (إطراد موارد القوت) فالعامل المرتبط بجنس البشر (مدى ترابط المجموعة البشرية وتزاوجها لتشكيل شعب متجانس نسبياً) وأخيراً العامل النفسي (تواجد نظام سياسي مهما كان طفيفاً، كاللغة أو الدين أو الأخلاق ليشكل قاعدة للعبة الحياة يعترف بها حتى الخارجون عليها)….

 

 

وجميع هذه العوامل مهمة لنشوء الحضارة، لأنها بتضافرها تشكل البيئة المثالية للجماعة البشرية حتى ينتقل نشاطها البشري من طور البدائية (قصر النظر) إلى المدنية (الحيطة، والتدبير)….

فبالرغم من أن العوامل الجغرافية لا تُكوّن (تخلق) الحضارة أو المدنية، إلا أنها تهيء سبل ازدهارها ودوامها أطول فترة ممكنة

فقد يكون العامل الجغرافي في طريق قوافل التجارة مفيداً أيام لزوم التجارة البرية، إلا أن عصرنا يشهد على تغير قيمة هذه العوامل وتباينها قيمةً عما كانت عليه قبلاً…

وقد تتوافر مؤسسات اجتماعية منظمة، وتشريع خلقي رفيع لمجتمع ما، إلا أن اضطراد القوت والموارد وعدمه يعتبر أهم سابقاً، فقبائل العرب القديمة، كان يتوافر فيها من الذكاء والفتوة، وتبدى فيها من الأخلاق أسماها كالشجاعة والكرم والشيم، إلا أن ذكائها بغير الحد الأدنى للثقافة التي لا بد منها، فبغير اضطراد موراد القوت، تبقى في مرحلة الصيد (التخمة) وتنفق ما تبقى على ضروريات التجارة، بدون أن يبقى ما يلزم من ترف الثقافة ولطائفها…

 

إلا أن عصرنا الحالي، وسرعة انتقال المعلومات والمواصلات قد جعلت انتشار الثقافة واستحضارها سهلاً عما كان عليه الحال قديماً.

و العامل الاقتصادي وتوفر الثروات الطبيعية قد كان يعلو العامل الجغرافي سابقاً، كالطعام والمعادن لما لها من فضلِ في مدنية الإنسان وتحكمه في الطبيعة، إلا أن نظرة لوطننا العربي  الذي يسبح فوق برك الذهب الأسود النفطي تجعلنا ندرك تراجع مثل هذا العامل بسبب الأسلحة الحديثة التي تضمن تفوق الغرباء (آخرين) على أهل الوطن في استثمار ثروات أراضيهم.

لكن يبقى لما قاله هذا الإنسان (ديوارنت) نصيباً من الصحة، إذا أن هذه العوامل مجملةَ تعني الحضارة وتعينها في إستحضار نفسها وتحويل المجتمع إلى مدنية الحيطة..

 

إن ما يشهده العالم من أحداث في النظام الحالي الذي تقوده الولايات المتحدة، جعل على دول العالم النامية مراجعة حسباتها بما يخص ما كان المرء يدركه بداهة، كما هي بداهة ديوارنت…

الوطن العربي، بما يمتلكه الآن هو أكثر مناطق العالم تأهيلاً لاستحضار حضارة مرموقة، إلا أن العامل النفسي (السياسة) الغائب حالياً يبني سدوداً أمام النهضة المرتقبة.

 

أشرت في مناسبات سابقة، عن فهم لسان العرب لكلمة السياسة، والتي أبدعوا باشتقاقها من (ساس) الخيل، روضها. حيث تقابل ما استخدمه ديوارنت من كلمة (الحيطة).

إن شعباً جائعاً، يعمل كل الوقت، ليوفر لنفسه أبسط متطلبات الحياة غير مهتم بمقطوعة موسيقية على مستوى مقطوعات بيتهوفن ورسومات على مستوى ليوناردو دافنشي..

كما أن شاباً يترقب الضريبة، والشرطة، والأمن، والكلام بحضرة رجل الدين ووالده والشرطي والناظر…. يهتم بكثير من الأمور الجوهرية الأساسية للحياة بشكلِ ملحِ يمنعه من مجرد الاعتراض على حريته المقموعة.

إن الحرية أساساً هي القدرة على النشاط الإنساني بعيداً عن القيود (كل القيود)، وهي مفقودة في المجتمع ذاته على مستوى الدولة، فكيف بالدولة (المفترض إقامتها مثالاً للمدنية) أن تؤمن الحرية لشعبها؟!

 

لعل أكبر ما يواجهنا من قيود تكبلنا هو الجهل الذي ينتج غباءً….

إن مجتمعنا المتسمك بالمثالية الشديدة (بالقيم القديمة، والإسقاطات القيدمة) كثقافة في هذا الوقت، يكون قد خسر فرصته في معاينة حاله الراهن السيء، لينتج عن هذا جهلٌ مركب، أدهى وأمر..

والسياسة المطلوب تمثلها، تبدأ بإدراكنا لعوامل قوتنا المجتمعة لدينا بشكل مثير، لتنهض الهمم الخائرة، وتستبدل جنة في السماء بجنة في الأرض..

إن الأحمق والجاهل يتمتع بقصر النظر، وفرط بطء الاستجابة للمؤثرات الخارجية، فتجده يحترق بالنار المشتعلة بقربه دون أن يفطن لوجوب السرعة بالهرب… … وكذلك يواصل الزحف الثقافي الحجري (المتمثل بأدياننا القديمة) زحفه علينا، دون أن نفطن لإطفائه بماء الخلوص من تقاليد الماضي.

إن سوء السياسة هذا، يحتاج لمعالجة بالحض المتواصل على التقدم للإمام لإبتداع الحيل السياسية لأخذ الدور بركب الحضارة، خاصةً وأن اللاعبين الحاليين يستلذون بتعذيبنا كرغبة ً كامنة وذكرى قديمة في النفس البشرية للصيد عند الإنسان البدائي..

 

ماذا عن غريزة الصيد هذه؟

الصيد سابقاً عند أسلاف الإنسان كان هو السياسة الوحيدة قبل بدء الزراعة، فتدجين الحيوان وترويضه، الذي كانت تمارسه الجماعات البشرية آنذاك، قد فتح لها آفاقاً لتأمين الموارد، خاصة مع اكتشاف اللبن عند الحيوان وإمكانية إطعام الأطفال منه، وما نتج عن ذلك من تقليل لمعدل الوفيات وازدياد قوة الجماعة بإطراد لمواجهة عاديات الزمان.

وبتفتح الزمان، تفتح الذكاء وانبثق على حيل أخرى، كالزراعة، والمدنية التجارية، ومن ثم تعززت وتكرست بقيام الدولة الأولى على يد أحد الأذكياء (هنا أو هناك أو أكثر)، ليقيم نظام تشريعياً جديداً يحد من رغبة الإنسان البدائي ويدجنه بدلاً من تدجين الحيوان.. مما أعطى نتائج مذهلة انعكست على الجماعة البشرية ككل..

هكذا تحولت السياسة من وجهةٍ نحو الحيوان (الآخر الوحيد بالقرب) إلى الآخر حالياً وهو العالم النامي ودوله المصطنعة وهماً..

إن دول العالم الثالث ما هي إلا محميات طبيعية في أحسن الأحوال، أو (مزرعة تسمين أبقار) مكرسة لخدمة الإنسان في الحضارة الغربية.

وكلمة (غربية) في العبارة السابقة لا معنى لها… فما هو إلا عهد رق جديد انشطر به المجتمع العالمي المنفتح على نفسه مطلع قرن المواصلات الفائت.. حيث أصبح العبيد دول بأكملها، حيث تتوجه غريزة الصيد البدائية نحو هذا الآخر (نحن).

 

من الطبيعي، وفقاً لهذه المعطيات أن يتوصل فوكو ياما إلى نظرية مماثلة لصراع الحضارات، فهذا بالضبط ما جر الغرب نفسه إليه بحيله المتواصلة للازدياد من الحضارة وتكريسها.. ولا يلام الغرب (إذا جازت التسمية) على سياسيته المتلاحقة، فهذا شيءٌ مقدرٌ على الجنس البشري لمواجهة مارد (الصيرورة المادية) بما يعنيه من فناء لا يرغب به أحد.

 

إلا أنه يتوجب العلم بأن الزمان في تفتح متواصل، والذكاء الإنساني أيضاً، وما يراه إنسان اليوم من حيل ومهارات(سياسة)، أو من ماضِ ومستقبل، ضيئلٌ مقارنة بما سيراه إنسان الغد..

إن حيل الإنسان لم ولن تنتهي، وابتكاراته وإبداعاته ستتواصل في ظل رغبته المحمومة بالتفوق الذاتي على المادة بما تتمثل به أمامه من طبيعة (والآخر حاليا)…

إن المثالية الحجرية التي نتمسك بها، تفتقد إلى أبسط ما تخبرنا به هذه القراءة لتاريخ البشرية المعروف.. وما تزال تظن أنه يجب الإبقاء على هذا العداء الكامن في قرارتنا للغرب (الآخر)..

آن لنا اصطناع سياسة جديدة نعيد فيها بناء قيمنا، ونحاول بها خلق مجتمع أكثر تجانساً لتدب فيه الحضارة رغماً عن كل الظروف.

 

إن الحياة التي استطاعت بسياستها الحكيمة التغلب المبدئي على الصيرورة الوجودية بخلق هيكل الثنائي الصيغة (الحياة والموت) (النوم واليقظة) (الذكر والأنثى) ومن ثم (الشرق والغرب) تمكنت بذكاء من التغلب على كل معوقات الطبيعة (الآخر).. وضمنت استمرارها الدائم في حظيرة الوجود رغم تدافع مظاهر الفناء..

إلا أنها اليوم، كما حدث كثيراً في مسيرتها تتعرض لمفصل جديد يهدد وجود أحد طرفيها وثنائيتها السياسية، ويجب عليها ابتكار حيلة جديدة.

 

إن مما يعني من هذه القراءة، هو إعادة ضبط كل مؤشرات العداء وتوجيهها ضد خطرِ آخر، بعيداً عما اعتدنا سابقاً عداءه… يجب ابتكار حيلة لم يسبقنا لها الغرب، وليشاطرنا عندها النظرية الجديدة. فالغرب غير معني ومهدد بالوجود كما نحن العبيد، والحياة عنده تجري على أحسنها، والحضارة بلغت أوجها، والحيل نفذت من جعبتهم.

Advertisements
  1. لا توجد تعليقات حتى الأن.
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: