الرئيسية > قصص قصيرة > من وحي الطفولة (1).. “تا تا تاتا”.

من وحي الطفولة (1).. “تا تا تاتا”.

(( تا تا تاتا…..))

هذه هي مجمل الحروف، مجمل الكلمات (كلمة يتيمة) التي استخدمها طفلٌ صغيرٌ للتعبير عما يريده.

مجرد حرفين سهلٌ نطقهما بالنسبة له، تاء وألف، أوجز بهما نطقاً أصواتٍ معينة، وعبّر بذلك عما يريده من أبيه الذي كان يجلس على الأريكة…

((يا بابا، أحكي معي، أريدك أن تفعل ما كنت تفعله مسبقاً في ذلك الوقت (البارحة)… أريد منك أن تفعل معي تلك الحركات (تلعب) لأنها لذيذة (مسلية).))

ربما بشكلٍ من الأشكال هذا ما أراد عبدو (عبد الرحمن) الصغير الإفصاح عنه…! وربما يكون شيء مماثل مما يريده الأطفال!

في حادثة أخرى مشابهة، زار صديقٌ لي اسمه سجيع منزل أخته المتزوجة…

كان سجيع قد التحق بالخدمة العسكرية الإلزامية منذ حوالي السنة، ولم يزر أخته منذ فترة طويلة، وكانت ابنتها الصغيرة ذات العامين (لنقل أن اسمها نور) لم تتعرف على خالها سجيع..

في السهرة مساءً، اجتمع سجيع مع صهره وأخته على سطح الدار، وكانت أمه قد قدمت من القرية لموافاته هناك، فكانت سهرة عائلية حميمة، سرت نور الصغيرة بها أيم السرور، خاصةٌ وأنها رأت أمها وأبيها يضحكان كثيراً…

كانت نور قد رأت جدتها من قبل، وهي تذكر ذلك، لكنها لم تعي المناسبة والارتباط بين أمها وجدتها…وبالنسبة لذلك الشخص (خالها سجيع) فقد أستطابت منظره، لكنها لم تتجرأ بعد على الاقتراب منه.

ولأن حيل سجيع كثيرة، فقد أغرى نور بالكثير من السكاكر والحلويات إلى درجة أزال الخوف من نور وبدأت تستلطف اللعب معه.

نامت نور باكراً ذلك اليوم، بعد أن تعبت جميع عضلات جسمها الصغير لكثرة الركض واللعب في أنحاء المنزل، لكنها كانت قد فهمت أمراً وحفظته… فذلك الشخص الذي ما فتئ يلاعبها ويعطيها ما لذ وطاب أسمته أمها لها (خالو) وكانت نور قد قرنت بين هذا الشخص وهذه التسمية التي كانت قد بدأت بتردادها مساءً.

في الصباح استيقظت نور واتجهت من فورها إلى الموقع المعتاد الذي تجد فيه أمها غالباً عند الاستيقاظ… لقد اتجهت إلى المطبخ…

وبالفعل كانت أمها (ماما) برفقة تلك المرأة العجوز اللطيفة الملقبة (تيتا) أي (جدتها)، لكنها لم ترى ذلك الشخص الآخر (خالو)…

بعد أن لعبت قليلاً حول مائدة المطبخ، قالت لها جدتها:

((حبيبي تيتا، فوتي فيقي لخالك!))

وقفت نور الصغيرة تفكر في ما تقوله هذه العجوز…( فمن هو خالك؟ ومن أين سوف أوقظه؟ وهل يوجد أحد نائمٌ في منزلنا غير أبي وأمي؟ ربما كانت هذه العجوز نفسها قد نامت في منزلنا!)

وبعد أن كررت جدتها طلبها، فكرت نور أكثر وهي تفتح عينيها الزرقاوتين دهشةً، وتدور شفتاها استغراباً، وحصرت الأسئلة التي تريد إجابةً عليها بالسؤال التالي (من هو خالك؟) فكان أن نطقت ما يلي (متساءلةً):

((آلو؟)) وهي تشير بأصابعٍ معوجة كما علمتها أمها في أحد الأغاني الطفولية عن كيفية الاستفهام والسؤال.. لتقول (ما هذا الــ “الخالو”؟)

فقالت جدتها:

((أي خالو… فوتي فيقي حبيبتي، هو نايم بالغرفة جوا…. يالله حبيبتي! مشان يفطر معنا))

فهمت نور أن هذا الشخص المدعو (خالو) هو نفسه (خالك)، وبكل الأحوال فإن نور ذاتها كانت تنطقها هكذا (آلو) فأضافت مفردة (آلك) إلى حافظة مفرداتها المعدودة.. فالخاء من الأحرف الصعبة النطق… لكن هنا وما أن استدارت نور، تذكرت أمراً فنظرت بعيني أمها، لكن أمها كانت مشغولة بما بين يديها..

فبقيت نور جامدة هكذا، تنتظر ملاقاة عيناها بعيني أمها… لقد كانت تريد سؤال أمها ((هل أستطيع أن أستمع لتوجيهات هذه المرأة العجوز المسماة تيتا؟))

انتبهت أمها أخيراً، وابتسمت قائلةً:

((آي حبيبي، فوتي فيقيه من جوا معلش!))

ركضت نور لتنجز مهمة حقيقية قد أوكلت لها هي تحديداً، فما أسعدها هي الآن، فإن من أشد ما يسرها أن يقول لها أهلها أن تفعل أمراً معيناً… أما والمهمة الموكلة إليها الآن متعلقة بذلك الشخص الضحوك المسمى (خالو وخالك) فإنها مهمة أكثر متعة…

كان الباب موارباً، فزادت شقة فتحة الباب، وأولجت جسمها الصغير في الفتحة داخلةٌ إلى الغرفة التي أشارت جدتها عليها.

سجيع، كان قد أطال السهرة مع صهره بعد أن نامت أمه وأخته، وبقيا يثرثان حتى وقت متأخر جداً، مما جعله يغط بنومٍ عميقٍ.

وقفت نور بجوار السرير الذي ينام فيه خالها، بعد أن لفت عدة مرات حوله محاولةً رؤية منفذٍ لجسم خالها الذي كان قد دفن نفسه تحت اللحاف.

أدخلت يدها الصغيرة تحت اللحاف لتجد بطن خالها، فلكزته عدة مرات وهي تصيح بتلك الكلمة اليتيمة التي تعرفها عن هذا الشخص (خالو):

((آلو، آلو….آلو آلو….آلو….))

وبعد أن استمرت بمحاولاتها تحرك جسد خالها، ومد سجيع يده وسحب اللحاف ولف جسمه به مجدداً.

وبعد أن وجدت نور الصغيرة منفذاً آخر عند صدر خالها، تابعت اللكز بأصابعها:

((آلو آلو….))

لم يستطع سجيع تجاهل الأمر، فالنوم بذلك بات مستحيلاً..

((أي حبيبي، خلاص فقت أنا…. روحي لعند الماما))

ومن ثم أعاد سجيع لف جسمه ورأسه باللحاف، وغط بغفوة جديدة..

وقفت نور في مكانها بجوار السرير مقابل صدر خالها.. تتأمل وتفكر….

لقد قالت لي (تيتا) أيقظي (خالك) وقصدت بها (خالو)، ومن ثم وافقت (ماما) أن أطيع تلك العجوز (تيتا) وكررت أن ذلك (معليش) أي مسموح..

لكن أحداً لم يخبر الصغيرة نور ماذا عليها أن تفعل في حال لم يفق هذا (الخالو أو الخالك)، لذا إنها كانت إزاء معضلة لم تعرف ما حلّها، فما كان منها إلا أن تطبق المهمة الموكلة حرفياً، أي متابعة إيقاظ خالها (خالو) إلى أن يأذن الله بصحوته الميمونة…

وبعد أن بقيت واقفة لمدة دقائق في مكانها، كان خالها قد عاود النوم وركب قطار الأحلام مجدداً، لكن مطبات أصابع ابنة أخته قد دهورت القطار.. وبدأت حفلة اللكز بأصابعا الصغيرة المعوجة في خاصرته مجدداً..

((آلو، آلو……. آلو آلو آلو…..))

أفاق سجيع وحاول جاهداً إفهام الصغيرة بأنه استفاق وأنه يمكنها الذهاب إلى المطبخ حيث أمها، فلتذهب إذن…. ثم برم سجيع نفسه على السرير مديراً ظهره إلى حيث الصغيرة، مغطياً كل جسمه باللحاف لعله يتمكن من إكمال نومه..

إلا أن ذلك لم يجعل الصغيرة تغير من رأيها، فهي لم تفهم ما يقوله هذا الشخص عن أنه استيقظ فيما هو ما يزال نائماً!! (أفليس هذا غريباً؟!

فمكثت قليلاً ساكنة بموازاة بطنه في الجهة المقابلة للسرير، وبعد دقائق أعادت حفلة اللكز في بطنه…

((آلو…آلو))

ذات الكلمة، وبتواتر ثابت منتظم، مثيرٍ للحنق.. ((وز، وز، وز…….))

لم يستطع سجيع ضبط نفسه، فنزع اللحاف عن وجهه بسرعة محاولاً إخافة الصغيرة، ومد يده مبدياً أنه على وشك ضربها، علّها تخاف وتتركه بسلام..

لكن ولأن مثل هذه الحركات الانفعالية لم تمر قبلاً على الصغيرة من قبل والديها والمحيطين بها، فلم تفهم ما معنى هذه الحركات، بل لربما ظنت خاله يلعب! فبقيت تفكر بدهشة بادية على وجهها الذي كان بجوار وجه خالها.. جاحظة العينين، مرخية الشفتين، رافعة الحاجبين.

ضحك سجيع أخيراً، واستسلم للأمر الواقع، وضم نور الصغيرة، وقبلها مراراً.. ثم قام وحملها واتجه باتجاه المطبخ وخاطب أخته وأمه:

((يا عالم! أبعتولي كل أمة لا إله إلا الله تفيقني… إلا هالبنت.))

ثم بدأ يشرح لهم ما حصل والضحك يجللهم.

*******************           *****************         *****************      ****************

هكذا هم الأطفال! هكذا هي مفرداتهم، هكذا هي حركاتهم، هكذا هي مداركهم، بسبب نقص تجاربهم ومدخلات معارفهم المحدودة..

هل كنت تعلم ما مر ذكره؟

لما إذن تنسى ذلك، وتظن أن الرحلة انتهت؟

الرحلة مستمرة، وأنت في الكثير من المواقف تشابه الأطفال لقلة تجاربك ومعارفك… ولا بد من الكثير من الآلم والسرور، اللذيذ والمر، الجميل والقبيح، وغيرهم لتحوز على حكمة الكبار…

للقصة تتمة فنور باتت كبيرة، وسجيع صار أكبر.. لكن من منا يطيل النظر ويعيد شريط الذاكرة ليستفاد من هذه التجربة (الطفولة) والتي من المؤكد أن كل منا قد مرّ بها؟

قليلون هم كذلك!

Advertisements
  1. 17/10/2011 عند 4:22 ص

    و الضحك يجللهم ما يفعل بي و انا اكتب هذه الكلمات
    شكرا على هذه القصيصة الطيفة

    كنت هنا

  2. أيهم سليمان
    17/10/2011 عند 4:42 ص

    هههه…. لا بد أنه قد نالك نصيب من الضحك….
    أهلاً سناء.

  3. 17/10/2011 عند 1:44 م

    ههههههههه
    كم هي بريئة تلك المزعجة الصغيرة ^_^

    >> الله يحميهم <<

  4. أيهم سليمان
    17/10/2011 عند 2:08 م

    حقاً أميرة هي كذلك…
    وإزعاجها يشابه إزعاج العصافير الصغيرة التي توقظني صباحاً على أصواتها الشجية..

  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: